إلى ذكرى الراحلة المُقيمة في المسرح معلمتي نهاد صليحة



إلى ذكرى الراحلة المُقيمة في المسرح معلمتي نهاد صليحة

آمنة الربيع

من المحزن صدقا أن أكتب هذه المقالة المقتضبة ونحن نحتفي بتدشين الموقع الرسمي للجمعية العمانية للمسرح.. وبرجوع المسرحيين العمانيين على كلّ اختلافهم واختلافاتهم إلى بيتهم المسرحي، وبعودة الجمعية إلى نشاطها المأمول بعد أن عقدنا الأمل على مجلس إدارتها المنتخب ليسعوا ونحاول كلنا معهم السعي والوقوف على تحسس المتاح الذي نعرفه فوق أرض الواقع لنبني عليه الممكن القريب وليس البعيد من الطموحات الفعلية لمسرحنا العماني وللفعل المسرحي..
والمحزن كذلك أن تكون مقالتي الأولى في رثاء أستاذة الأجيال الدكتورة الناقدة المسرحية معلمتي نهاد صليحة.. وكنت قد حاولت أن أبتعد بمسافة كبيرة عن هذا الحزن ولكني أعترف بصعوبة أنني قد فشلت..
 
والحزن يتضاعف في لحظة الكتابة وأنا هنا في مدينة وهران بالجزائر بلاد المليون شهيدا والهيئة العربية للمسرح تحتفل بدورتها التاسعة والمخصصة للشهيد (عز الدين مجوبي).. الشعور بالحزن أن نكون جميعنا كمسرحيين من الخليج إلى المحيط وفي هذا البهاء المسرحي والفرح الصادق والمسافة الفاصلة بين تاريخ رحيلها وغيابها عنا غيابا ماديا في 6 يناير  2017م ويوم العاشر من الشهر نفسه لإلقاء كلمة اليوم العربي للمسرح كما جرت التقاليد ليست بمسافة بعيدة..
 
وأنا في غمرة الحضور في المسرح والانتقال من مسرح (السعادة) إلى مسرح الشهيد (عبدالقادر علولة) ومن ندوة إلى أخرى، ومن جلسة تطبيقية على العروض إلى فضاءات شاطئ وهران الحاضن لمختلف الأعراق بكل مودة وترحاب للحب وللصداقات، أن ذكراها لم تغب عن خاطر كلّ مسرحي عرفها أو قرأ لها كتابا، أو حضر لها محاضرة، وها أنا الآن أتذكر آخر لقاء معها بصحبة الصديقة البحرينية زهراء المنصور في مسرح الهناجر ونحن نلتقط الصور ونضحك ونتبادل النقاشات والتعليقات القصيرة على ما شاهدنا من عروض مسرحية، ولا يغيب عن بالي كلماتها الأخيرة لي في اتصال هاتفي كان بيننا بتاريخ 10 نوفمبر 2016م.
 
وأذكر للحظة، هنا وأنا في في وهران، بفندق الميريديان مكان انعقاد الندوة الفكرية والمناظرات العلمية ومناقشة البحوث والمؤتمرات الصحفية، كيف خنقت بعضنا العبرة وأغرورقت الأعين عندما أهدى الباحث المغربي الشاب عبدالمجيد أْهري بحثه المعنون (المسرح الجديد: من تحلل نظرية الدراما إلى تشكل جماليات ما بعد الدراما) إلى روح الأستاذة الراحلة الدكتورة نهاد صليحة، من باب الناس الذين يعترفون بفضل وخير سابقيهم..
 
هي ناقدة من طراز إنساني رفيع جدا.. ناقدة عاشقة للمسرح، مُحبة للرّكح، مؤمنة بالتجريب، متطلعة لجيل مسرحي من الفاعلين فيه نقدا وتمثيلا وتأليفا وإخراجا وتلقيا.. شجعت الإبداع المسرحي منذ وضعت قدماها في جامعة القاهرة بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية على سُلمة الاشتغال بالثقافة النقدية والأدبية المختلفة.. فتحركت كالنحلة الدؤوبة بين (مجلة المسرح وجماعة النقد الحديث) فغادرت بعد التخرّج عام 1966م جامعتها الأم متوجهة للدراسة في لندن على مرحلتين زمنيتين متباعدتين أنجزت في المرحلة الأولى عام 1969م رسالة الماجستير عن الروائي جوزيف كونراد، صاحب رواية (قلب الظلام) بعنوان (مشكلة الوفاء في حياة كونراد)، أما المرحلة الثانية عام 1982م  فكان إنجازها لرسالة الدكتوراة بعنوان (مسرح لورد بايرون- قراءة حداثية). لم تكن قاضيا على العمل الإبداعي، ولم يعرف قلبها الذي  توقف في السادس من يناير إلا التشجيع والحث على مواصلة العمل الفني بالوقوف حوله لتذليل كلّ الصعاب وإماطة الحصى الصغير قبل إزاحة الأحجار الضخمة من فوق الطريق. وكان الناقد الدكتور حاتم حافظ حينما وصفها بناقدة "لا تشبه النقاد، وباحثة لا تشبه الباحثين، وأكاديمية لا تشبه الأكاديميين، ولعل هذا من حسن طالعها" على قدر كبير من الحق والصدق والعاطفة النبيلة الكريمة.
 
ولم يكن تكريمها في عدة مهرجانات مسرحية عربية وفوزها بجائزة (مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في مجال الفنون والآداب) إلا تأكيدا على مكانتها النقدية الرفيعة التي شغلتها في الوسط الثقافي المسرحي العربي.. إن جّل التكريمات والجوائز فرصة سانحة لا لنقول شكرًا فحسب، بل لنعمل بجد واجتهاد على مواصلة الدرب الذي سارت عليه أستاذة الدراما والنقد بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون في مصر. وأن يكون ذلك التكريم بالإضافة إلى مؤلفاتها النقدية العديدة فرصة لتكوين حلقة بحث وهمزة وصل متصلة لقراءة ما قدمته أستاذتنا الراحلة في مجال الاشتغال النقدي اليوم في عالمنا العربي ونحن في أمس الحاجة إلى استثمار كلّ الجهود الجادة والنوايا الصادقة لتحريك هذا النقد المسرحي التطبيقي. فالمشتغلون بالنقد المسرحي من المحيط إلى الخليج على كثرتهم ينقص بعضهم الإخلاص والحبّ والثقافة النقدية الخبيرة.
 
هذا ما تعلمناه من أستاذة الأجيال، في قربنا المادي منها أو عبر اللقاءات والملتقيات في المهرجانات، أو من خلال مؤلفاتها العديدة وترجماتها المختلفة.. فلا يكفي أن يحمل الناقد شهادة متخصصة في النقد من أعرق الجامعات العالمية، وفي أول سانحة أو فرصة ينزل فيها على معارضيه والمختلفين معه في المنهج والتدريب نزالا أشبه بمقاتلة الديكة أو الثيران المتناطحة! فالمقاتلان هنا في الدرك الأسفل من النقد، والخاسر في الموضع الأول هو الممارسة النقدية الوازنة.. فالنظرية ستظل مستمرة والتيارات المسرحية سيظل الكلام حولها يدور في حلقات الدرس الأكاديمي، لكن الفعل المنهجي للناقد للارتقاء بالممارسة النقدية الموضوعية الوازنة هي التي سيتفرق وجودها بين النزاعات كما تفرق شعرنا العربي بين القبائل!.
 
والإيمان بالفعل المسرحي النقدي الموضوعي الوازن يتطلّب في الحقيقة قاعدة ثقافية قوية، بها من التماسك ما يسمح لها الانفتاح بمرونة عالية على تقبل الرأي والرأي الآخر. ومبعث هذا الإيمان هو الاعتقاد الكامل بالحرية الثقافية، وحرية الاختيار، وحرية الاعتقاد، وحرية التجريب. نعم، الحرية في التجريب.. التجريب المؤسس على البناء لا الاكتفاء بهدم الصروح تحت دعاوي التمرد والشكلانية العمياء التي لا تقول شيئا جديدا. ولا يقوم التجريب الحرّ إلا عبر الإيمان بالحرية الفكرية وبالدفاع عن آمال المجتمعات الحاضنة لثقافة الاختلاف والتنوير والتسامح، حتى تظل متصلة بأحلامها وبطموحاتها، فهذا العالم لم يغيره الساسة والقادة والجيوش والعسكرتارية، بل إيمان الشعوب والنُخب المستنيرة بالحرية والكرامة والحوار وقبول الاختلاف.
 
لقد تحكمت في المسرح العديد من الأيديولوجيات والعسكرتارية المعاصرة، وهي ما تزال تتحكم به، ولم يكن للأيديولوجيات الاستبدادية الصارمة أن تتمكن من الحكم إلا بمساندة النظريات الفلسفية والأسس المعرفية؛ التي عملت كهيئة لوائح داخلية لتفسير الكون والعلاقات المادية والروحية فيه. وعند هذه النقطة التي أراها فاصلة لا بد من التعريج على كتاب (المسرح بين الفكر والفن) للناقدة نهاد صليحة، ويعد من بين الكتب المهمة جدا للمثقف المسرحي العضوي المستنير، الذي يُحب مهنة ممارسة النقد ويخلص لها، ليصعد بها إلى مرحلة الإبداع، دون التخلي أو التفريط عن مواقفه النقدية الموضوعية الوازنة وتطلعاته الفكرية والوجودية والإيمان بالقدرة على تأمل المستقبل. وهذا ما تقودنا إليه كلماتها التالية: "... وربما كانت أحب الأعمال إلى نفس الناقد، وأكثرها متعة، وأبقاها أثرا، هي تلك التي تتحداه، وتخلط أوراقه، وتقلب فرضياته وتوقعاته رأسا على عقب، فإذا به يعود طفلا يستشعر الدهشة ويعاني متعة الاستكشاف".
 
في ختام هذه المقالة المتشحة بالحزن، أتطلع إلى فعل مسرحي عماني نقدي فعّال. وأن هذا الفعل لا يقتصر على جهود الجمعية العمانية للمسرح، ولا على آمال الطامحين فيها إلى وجود مسرح في كل محافظة وولاية. بل يتعدى ذلك كله أن يخوض الجميع، جميعنا، مغامرة الشك والسؤال النقدي الموضوعي.. مطلوب منّا التكاتف لنعمل معا على اختلافاتنا في مد جسور التواصل مع المؤسسات الداعمة للاختلاف الفكري والإبداع الثقافي بوجه عام.. إن تأسيس السؤال النقدي يتطلّب مساءلة المفاهيم النقدية والمدارس الأدبية والتيارات المذهبية الثقافية بأفكار جديدة وبعقول مستنيرة سمتها الحداثة والتجدد.
رحم الله أستاذة الأجيال الدكتورة نهاد صليحة...